الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
54
مناهل العرفان في علوم القرآن
نقل جميع هذا كما سبق . وعلى هذا لا يجوز أن يعتبر مجرد نقل المعاني الأصلية دون التابعة ودون بقية مقاصده ترجمة له . اللهم إلا إذ جاز أن تسمى يد الإنسان إنسانا ، ورجل الحيوان حيوانا . ثم إن إطلاق الترجمة على هذا المعنى المراد ، لو كان مقصورا على قائليه ولم يتصل بالعرف العام ، لهان الخطب وسهل الأمر ، وأمكن أن يلتمس وجه للتجوز ولو بعيدا . ولكن العرف الذي نخاطبه لا يفهم من كلمة ترجمة إلا أنها صورة مطابقة للأصل ، وافية بجميع معانيه ومقاصده ، لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية . فإذا نحن نقلنا المعاني الأصلية للقرآن وحدها ، ثم قلنا لأهل هذا العرف العالمي العام : هذه هي ترجمة القرآن ، نكون قد ضللنا أهل هذا العرف من ناحية ، ثم نكون قد بخسنا القرآن حقه من الإجلال والإكبار من ناحية أخرى ، فزعمنا أن له مثلا يناصيه ، وشبيها يحاكمه ، على حين أن الذي جئنا به ما هو إلا صورة مصغرة لجزء منه ، وبين هذه الصورة وجلال الأصل مراحل شتى ، كالذي يصور الجزء الأسفل من إنسان عظيم ، ثم يقول للناس : هذه صورة فلان العظيم ( ثانيا ) أن تلك المعاني التابعة الثانوية ، فياضة بهدايات زاخرة ، ومعارف واسعة ، فلا نسلم أن معاني القرآن الأولية وحدها هي مصدر هداياته . وارجع إلى ما ذكرناه سابقا في هذا الصدد ، فإن فيه الكفاية . الشبهة الخامسة ودفعها : يقولون إن الذين ترجموا القرآن إلى اللغات الأجنبية ، غيروا معانيه ، وشوهوا جماله ، وأخطئوا أخطاء فاحشة ، فإذا نحن ترجمنا القرآن بعناية ، أمكن أن نصحح لهم تلك الأخطاء ، وأن نرد إلى القرآن الكريم اعتباره في نظر أولئك الذين يقرءون تلك الترجمات الضالة ، وأن نزيل العقبات التي وضعت في طريقهم إلى هداية الإسلام ؛ وبذلك نكون قد أدينا رسالتنا في النشر والدعوة إلى هذا الدين الحنيف